 التسول في ليبيا .. في وضح النهار والجهات المعنية اهتمام بدرجة الصفر اجتاحت التسول كل المجتمعات بما فيهم مجتمعنا الليبي الذي يمتلئ بالمتسولين منذ فترة طويلة دون أي إكثرات من الجهات المسئولة في الوقت الذي تكثر النماذج التي تطلب العون و المساعدة بأشكال و طرق مختلفة لاستدرار عطف المارة و مالهم و بذلك تتطور كل يوم طرق تسولهم و تتوغل أماكن تمركزهم في المدينة هذا علاوة عن العصابات التي يكونونها و مجموعات العمل التي يعملون فيها لجمع أكبر قدر ممكن من المال فتجد أن للمتسول مكان عمل يتمثل في رصيف شارع أو باب مؤسسة حكومية تكون له بمثابة مقر عمل له و خاصة تلك الأماكن التي تمر فيها أنماط مختلفة من الناس .
مشهد نراه كل يوم في المستشفيات و المساجد و المصارف و الأسواق و طرق مبتدعة في كل شارع فهذا يعرض أوراقه على قارعة الطريق بحجة أنه مريض يحتاج للعلاج و تلك ينام أبنها أمامها بحجة أنه مريض يحتاج للطعام و يعاني سوء في التغدية و ذاك ينادي أهل الخير و الإحسان بدعوى أن الصدقة لبناء مسجد و أخر على كرسي الإعاقة و أخرى مستلقية على الأرض لا نعلم كيف أتت و من الذي أتى بها و هل هي صادقة أو لا و لكن نعلم ما تريد ..تريد المال من المارة و الذين هم بدورهم يعطونهم المال و آخرين من جنسيات مختلفة أخذوا أماكنهم من الشوارع ليطرحوا بدع جديدة من بدع التسول ألا وهي التسول بالمقايضة و ذلك باستبدال بضائع لديهم بملابس و مواد غذائية و آخرين يحملون معهم المصاحف و السبح و التعاويذ التي يزعمون أنها تجلب البركة يعطونها للذين يتصدقون عليهم و آخرون يدقون أبواب المنازل لعلهم يجدون فيها القديم من الملابس و الأثاث الذي أهلها في غنى عنها و لا ضير في المواد الغذائية و الملابس إن سمح المجال لذلك. و مع غروب الشمس لا تجد أيا منهم لأن عملهم في وضح النهار و ليس هناك يقلق ارتزاقهم المزعوم و لا من يقلق راحتهم في مساكنهم العشوائية فأجهزة الأمن يدعون حفظ الأمن و ليست ضمن اختصاصاتهم ملاحقة المتسولين و أجهزة الحرس البلدي مشغولة بالكلية عن هذا الأمر لأنها تكابد معاناة أكبر منها و هي كيف تحد من انتشار الباعة المارة هذه المعضلة التي لم يجدوا لها حلاً منذ و أن أستحدث هذا الجهاز فمتى يتم الالتفات إلى هذه الظاهرة التي تفشت في مجتمعنا و من هو الذي سيدافع عن المواطن من هذه الظاهرة السلبية التي و إن لم نردعها تكون مفتاح للعديد من الظواهر الأخرى مثل التسول المنظم و السرقة و عمليات السطو و لكن ما هو رأي الشارع الليبي و ما مدى وعيه و تعاطيه مع هذه الظاهرة هل يرحب بها و يعتبرها باب من أبواب الخير و استثمار لأموال الدنيا لبلوغ جنات النعيم أو هل يعلن سخطه منها لما فيها من انعكاس سلبي على واقعنا الاجتماعي و ما فيها من تشويه للمنظر الحضاري الذي نراه في الأزقة و الشوارع و أمام مؤسساتنا الحكومية و الأماكن السياحية التي تعتبر وجاهة الوافدين و تبرز صورة لبلادنا. *الشرطة لا تدافع عن سذاجة المواطن: عند تجولي في الشارع لاستطلاع رأي بعض من المواطنين قمت بسؤال أحد عناصر دورية الحرس البلدي عن دور هذا الجهاز في سبيل القضاء على ظاهرة التسول حيث أجاب قائلاً :- في السابق قمنا بالعديد من الحملات ضد المتسولين و لكن هذه الظاهرة يصعب مواجهتها و خاصة التنوع الكبير لهم حيث هناك متسولون من أصحاب الجنسيات العربية و الإفريقية و هؤلاء يتم التحفظ عليهم و هناك بعض الحالات يثبت التي تثبت أنهم متسللين أو مهاجرين غير شرعيين فيتم تحويلهم إلى إدارة الأمن العام لاتخاذ إجراءاتهم بالخصوص و هناك أصحاب الجنسيات الليبية الذين أخذ التسول فيهم مع أنهم لهم أسر يعولونهم و يقومون بالرف عليهم و ما تسولهم إلا حالة نفسية أو يندرج ضمن طرق الاحتيال على المواطن و هناك فعلاً من يعاني من ضائقة مالية و لكن مع هذا مجتمعنا مجتمع مترابط أهله برباط وثيق مما يجعل من التسول شئ غريب. و عندما قمت بسؤاله عن الإجراءات الرادعة التي تعاقب كل من يقوم بهذا الفعل أجاب: للأسف ما من إجراءات رادعة حيث لا يوجد في القضاء قانون يدين المتسول فنقوم نحن بدورنا بتحويله لنيابة على ضوء هذا القانون و لذا فإننا نقوم بإطلاق سراحهم . و عند سؤالي له عن من يقوم بدفاع عن المواطن أجاب: نحن كجهاز نقوم بالعديد من البرامج التوعوية من التدخين نزولاً لتسول و ليس هناك مواطن لا يعرف حقيقة المتسولين الذين يعيشون عالة على غيرهم و كون المواطن يبادلهم بالمثل و هذه الإشكالية لا تندرج تحت مسؤولياتنا فنحن لسنا مسئولين عن سذاجة المواطن و عدم وعيه و القانون لا يحمي المغفلين. *مؤسسات الدولة المعنية تزيد من حدة الظاهرة : و عندما سألنا المواطن "أحمد علي الزايدي" عن ظاهرة التسول هل يقبلها أم لا صرح قائلاً :- عند الحديث عن هذه الظاهرة الخطيرة يجب أن نتذكر كيف وصل شارعنا إلى هذا الوضع حيث لا يخلو دور الدولة المهمل من المسؤولية مما ساعد هذه الظاهرة في النمو و الظهور بشكل ملحوظ و أيضاً الهيئة العامة للأوقاف التي لا تحسن توزيع ما تجمع من زكاة أو ما يخصص لهذه الهيئة من مال على الفقراء و المحتاجين مما زاد الأمر سوءاً إضافة على ذلك دور الأيتام التي يفترض أن تكون ملاجئ تتبع أحدث الطرق في مجال العناية باللاجئين الذين يعولونهم و أن يكون هناك تقنين صارم وفق أحدث الدراسات الاجتماعية و النفسية بل و أن تقوم بنظام يضمن لنا تخريج أناس صالحين للإندماج في هذا المجتمع لعلهم يسهمون في بنائه بل هنا في ليبيا على العكس تماماً أي جمعية لرعاية الأيتام تقوم بإطلاق هؤلاء اللاجئين لشارع بدعوى عدم تقييد حريته و هم يتسولون للحصول على المال فلماذا عدم الاهتمام ؟؟ و إذا دققنا النظر نجدهم يعانون نفسياً و حتى مالياً و هم في النهاية يشاركوننا بإنسانية و لهم رغبات و أمنيات يسعون لتحقيقها و ليست لديهم إلا هذه الطريقة لكسب العيش و بالتالي فإن دور الأيتام هي لا تقوم بالحد من الظاهرة بل بتربيتها لنا مما يضمن في حال عدم الالتفات إلى هذه المشكلة إلى دوام تخلفنا في الجوانب الاجتماعية . *التسول اليوم..مهنة و موهبة : و عندما سألنا الأخ "نور الدين الخالدي" صاحب لمحل تجاري و عضو سابق في لجنة مشرفة عن مسجد و الذي أعرب عن استيائه من بعض الناس الذين هم ميسوري الحال و يقومون بالتسول حيث قال:- في مجتمعنا لا يوجد أحد إلا و مر بضائقة مالية دفعته إلى الإقتراض أو حتى ما نصفه بالتسول و لكن اليوم لا يخفى علينا من هو في حاجة ماسة للمال و من هو "يكذب و يبلعط" فأنا كوني عضو سابق في لجنة مشرفة على مسجد في منطقة أبوسليم نرى العديد من النماذج و أصدقك القول أن هناك من العرب و الليبيين من يقوم بعد خطبة الجمعة تحديداً بعد نهاية الصلاة بعض ضائقتهم المالية على الملاء و هؤلاء أعتبرهم بحق أصحاب حاجة و يجدر بالدولة أن تساعدهم و هناك من المتسولين من يقوم بطرح قطعة من القماش عند باب المسجد هذا اليوم الذي يعتبر غنيمة لديهم. وعندما سألته عن الإجراء الذي تتخذه اللجنة المشرفة للمسجد في هذه الحالات أجاب : سأجيبك بسؤال ماذا تفعل عندما تجد امرأ كبيرة في السن جالسة في باب المسجد تقوم بالتسول ؟!! هل تطردها أم تبلغ عنها أم ماذا؟؟! إن التسول اليوم مهنة غير محدودة الدخل للذين لا دخل لهم مما يعبث الإغراء في هذا الأمر و أجزم القول أن هناك من المتسولين من يعيش في رفاهية نعجز نحن الذين نكد ليلاً نهاراً أن تعيشها أعتقد لكي نتجاوز هذه المشكلة يجب أن تقزم الجهات المختصة بمحاربة هذه الظاهرة عن طريق الإعلام لأنها الوسيلة الوحيدة و الفعالة تحد من هذه بصورة سريعة. *قصص و حكايا المتسولين : و في نهاية تحقيقي هذا عن هذه المعاناة التي تعجز مؤسستنا التخلص منها بل و تقوم بكل "لا مسئولية" و إتكالية بتجنب الخوض في هذه الظاهرة و التغلب عليها و تقاذف مسئؤلياتها فيما بينها قمنا ببعض اللقاءات مع المواطنين الذين تمتلي جعبتهم بقصص و حكايا محتجين على دور الدولة في إحجامها الواضح في التصدي لهذه المشكلة حيث كان لي لقاء مع الأخ "أحمد إرحومة" الذي حدثنا عن مشكلة وقعت بينه و بين أحد المتسولين الأفارقة حيث قال:_ أن أغرب ما في المتسولين الأفارقة هو أنهم كانوا يعايشون نمط حياة صعب في دولهم الأصلية و هنا أسهل بكثير فأيام تسول قليلة كفيلة بتكوين رأس مال متواضع و ذلك ينعكس في الأحياء العشوائية بالمدينة القديمة و أسواقها المحيطة بها أما الأخوة المصريين المتسولين منهم طبعاً فهم ينطبق عليهم مثل "إحيني اليوم و أقتلي غدوة" فهو يتسول لقوت يومه و يترك أمر الغد للغد هذه طبعاً بعضاً من الخبرة التي كونتها جراء مراقبتي لهم فأنا أعمل بالسوق و نراهم و نعايش ما يفعلون كل يوم و في موقف حدث معي تحديداً بسوق الثلاتاء مع أحد المتسولين"الأفارقة" في اليوم الأول تعاطفت معه بالمال و حتى بالطعام و فضول مني اكتفيت بالمراقبة فما كان منها إلا و يحضر طعامه معه في نهاية الدوام و في بداية حركة السوق بالباعة و الزبائن و في يوم من الأيام عند تجولي بالمدينة القديمة فوجئت عندما وجدته يملك "براكة" للملابس و أخرى للإلكترونيات فما كان منه عندما رأني لم أراه مرة أخرى فلم أعرف هل اكتفى أو قام بتغيير موقعه. أما المواطن" الصادق الهمالي" أفاد أن صورته عن المتسولين تغيرت لأن لم يتعرض لموقف واحد فقط بل مواقف كفيلة أن تجعله أحد المحاربين لهذه الظاهرة و أضاف قائلا: أن تعرض الإنسان لمثل هذه المواقف هي أحسن طريقة ليقف على احتيال هؤلاء المستغلين لعواطف الناس فماذا بعد أن يصطف المتسولون جالسين في أبواب الجامع بل المضحك المبكي هو عند انتهاء هؤلاء النماذج من التسول يقومون باستقلال سيارات الركوبة الخاصة علناً أمام الناس كأنه يعملون بعمل شريف و مما يزيد الأمر سوء هو التحاق الأخوة الليبيين لهذا الركب من المتسولين و أذكر لك موقف حصل لي تحديداً أمام فندق الكبير عندما وجدت شيخاً كبيراً يمد يده للناس و عندما تقربت إليه أثرت سماع قصته فقال_ إنه من الجنوب أتى هنا لكي يستكمل بعض الإجراءات الإدارية و لم أستكملها مما أضطره المكوث لأيام السبب الذي أدى إلى نفاد ماله – قمت بإعطائه المال و هاتفي النقال حتى يتصل فقال لي لا داعي و بعد أيام ضحكت على نفسي كثيراً عندما وجدته جالساً أمام أحد المنازل بأحد الأحياء السكنية و قمت بالتأكد من هويته و السؤال عنه فأتضح أنه يسكن بطرابلس و لديه أبناء يعولونه فهل التسول علاوة على أنه ظاهرة هل هو مرض؟؟. أما"يحي الصاري" فهو من قاطني "عمارات حي الأكواخ سابقا" ذكر لنا قصة الأخوة العرب الوافدين الذين يدقون أبواب المنازل يطلبون منهم مما أعطاهم الله المال و الملابس القديمة و المواد الغذائية المعلبة المعلبة منها حيث قال يحيى :_ كنا نزودهم بالمواد الغذائية كعلب الزيت و الطماطم و الأغطية و الملابس القديمة حالي كحال سكان العمارة و لم أصدق جاري عندما قال لي أن الأخوة العرب الذين يطلبون الطعام و المواد الغذائية يقومون ببيعها بالسوق الشعبي لبعضهم البعض و يكسبون أموالاً و لم أصدق حتى رأيت قوت أطفالي و غذائي الذي كنت أجود به عليهم مسعر على طاولة تباع بأبخس الأثمان. و في النهاية هل ستضل ظاهرة التسول تشهد عن عجز مؤسساتنا التأهيلية واقفة كسد منيع أمام تقدم البنية التحتية لشوارعنا و مؤسساتنا الخدمية لك أن تتخيل ما يضفيه هذا المنظر من انطباع لدى الزوار عن رؤية هذا المنظر و رجال الأمن و الجهات المعنية يتقاذفون كرة المسؤولية كل في ملعب الأخر.
|